الشوكاني

195

نيل الأوطار

تعالى : * ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) * ( البقرة : 191 ) ويؤيده أيضا أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته بخلاف الملتجئ إليه ، وأيضا لو ترك الحد والقصاص على من فعل ما يوجبه في الحرم لعظم الفساد في الحرم . وظاهر أحاديث الباب المنع مطلقا من غير فرق بين اللاجئ إلى الحرم والمرتكب لما يوجب حدا أو قصاصا في داخله ، وبين قتل النفس أو قطع العضو ، والآية التي فيها الاذن بمقاتلة من قاتل عند المسجد الحرام لا تدل إلا على جواز المدافعة لمن قاتل حال المقاتلة ، كما يدل على ذلك التقييد بالشرط . وقد اختلف العلماء في كون هذه الآية منسوخة أو محكمة ، حتى قال أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ : إنها من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ ، فمن قال بأنها محكمة مجاهد وطاوس وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم تمسكا بظاهر الآية وبأحاديث الباب . وقال في جامع البيان : إن هذا قول الأكثر ، ومن القائلين بالنسخ قتادة قال : والناسخ لهما قوله تعالى : * ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) * ( البقرة : 193 ) أو قيل آية التوبة كما ذكره النجري قال أبو جعفر وهذا قول أكثر أهل النظر وإن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره بالقرآن والسنة قال الله تعالى : * ( قاتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ( التوبة : 5 ) وبراءة نزلت بعد البقرة بسنتين . وقال تعالى : * ( وقاتلوا المشركين كافة ) * ( التوبة : 39 ) وأما السنة فما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل وعلى رأسه المغفر فقتل ابن خطل وقد اختار صاحب تيسير البيان القول الأول وقرره ورد دعوى النسخ . أما بآية براءة فلان قوله تعالى في المائدة : * ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ) * ( المائدة : 2 ) موافق لآية البقرة ، والمائدة نزلت بعد براءة في قول أكثر أهل العلم بالقرآن ، ثم إن كلمة حيث تدل على المكان فهي عامة في أفراد الأمكنة ، وآية البقرة نص في النهي عن القتال في مكان مخصوص وهو المسجد الحرام ، فتكون مخصصة لآية براءة ويكون التقدير : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * إلا أن يكونوا في المسجد الحرام فلا تقتلوهم حتى يقاتلوكم فيه . وأما قوله تعالى : * ( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) * ( البقرة : 193 ) فهو مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال ، وآية البقرة مقيدة ببعض الأمكنة فيكون ذلك المطلق مقيدا بها ، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ ، هذا معنى كلامه وهو طويل ، ولكن في كون العام المتأخر يخصص بالخاص المتقدم خلاف بين أهل الأصول والراجح التخصيص ، وفي كون عموم الاشخاص لا يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة خلاف أيضا معروف بين أهل الأصول .